استندت إلى الجدار بعد تعب طويل، فلقد أثقلها استقبال
الناس في تعزية. والدها… فما بقي إلا القليل، وتنتهي المعانقة والمصافحة، ومضت لحظات من الأسى والحزن عانقت
الجسد الدافئ والروح الطاهرة، وأصبح لمأتم خال من البشر. تأملت في آية كانت معلقة على الجدار الأبيض فقراءتها
وهي متوجهة إلى فراشها فتحت غرفتها، وسارت متثاقلة كأن التعب صارعها فجلست على مكتبها.
بشعور الكتابة، فحركت يدها الناعمتان لتسطر
بقلمها الفياض. فنحتت تلك الخواطر المأساوية على الأشجار البنية العملاقة، فتكوّن لها الماضي الأليم، لكنها تتفاجأ بصوت
مشجي خلفها يقول:
اهجري الماضي الأليم، فإنه عدو المستقبل.
فارتعدت فرائص علياء، وقالت يا ترى من المتحدث معي؟
فتاة من عالم آخر.
ما هوَ سببُ مجيئِكَ هنا؟
أريدُ أنْ أصطحبَكَ إلى مكانٍ ما فما رأيُكَ.
فكرتْ علياءُ قليلاً، وقررتْ الرحيلَ معها.
خلفَ تلكَ الأشجارِ، ومنْ بينِ الحشائشِ الخضراءِ وبجانبِ البحيرةِ الزرقاءِ يوجدُ بيتٌ لهُ بابٌ كبيرٌ لونُهُ بنيٌّ قديمٌ.
جداً وقدْ نما عليهِ الغبارُ. وحينما وصلتا قالتْ الفتاةُ: هلْ أنتِ مستعدةٌ للدخولِ؟!! بلْ متشوقةً لذلكَ فطرقتْ باباً، وانفتحَ البابُ الأولُ. صوتُ ألحانِ الماضي، وكانَ خلفَ هذا البابِ أربعةُ أبوابِ كلُّ بابٍ مختلفٍ شكلُهُ ولونُهُ. توجهتْ الفتاتانِ نحوَ البابِ الأولِ. وبينما علياءُ تفتحُ البابَ أخترقُ أذنَها صراخاً منْ صراخِ أهلِ النارِ يتحدُ أناتٍ، فكادَ يصمُّ أذنيْها. موقف مريبٌ يفقدُ العاقلَ عقلَهُ. فرجلاً برجلِ النارِ وبجانبِهِ فتاةٌ معلقةُ رأسٍ على عقبٍ كلما أنتَ زيدٌ في تعذيبِها أغشي على علياءَ. فما آفاقُها سوى أنينِ المعذبةِ. فهرعتْ بالهروبِ للبابِ الثاني لعلَّها تجدُ الراحةَ. فقبلَ دخولِها الغرفةَ انطلقَ شعاعٌ كادَ يعمي بصرَها مشهدَ فتاةٍ.
في لسانِهِ نارُ الحميمِ، فتفطرُ قلبَ علياءَ لما رأتْ ذلكَ سالتْ دموعُها، فلجأتْ إلى البابِ الثالثِ لعلَّ وعسى بدَّ بابٍ تخرجُ منهُ، لكنَّها لما فتحتْ البابَ أحستْ بحرارةٍ كادتْ تحرقُ جسدَها، وتحولُهُ إلى رمادٍ. فهيَ حرارةٌ تفوقُ حرارةَ الشمسِ.
ذهلتْ فأغشيَ عليها؛ لأنَّها رأتْ موقفاً آخرَ جلداً ينزعُ بالنارِ مراتٍ ومراتٍ لاحقتْها حجراتٌ منْ الصديدِ يكادُ يلمسُ جلدَها، فزحفتْ للبابِ الخيرَ طالبةً نِ المولى القديرُ النجاةَ منْ الحريقِ انتبهتْ فمسحتْ جبينَها عرقاً هذا مما عاشتْهُ منْ مشاهدَ وصورٍ حيةٍ رأتْها في رحلتِها البرزخيةِ منْ خلالِ ذلكَ المنظرِ المعلقِ في غرفتِها، وهذا ما أنتجتْهُ في حياتِهِ فيا ترى هلْ كتبتْ خاطرتُها المأساويةَ؟ طبعاً لا لكنَّها خطتْ كلمةً واحدةً استنتجتْها منْ رحلتِها البرزخيةِ، فحفرتْها في قلبِها وهيَ (ووجدوا ما عملوا حاضراً [الكهفُ: آيةٌ 49] فمنْ ذلكَ اليومِ كتبتْ بدموعِها صكٌّ معاهدةٌ للباري -عزَّ وجلَّ- بأنْ تبنيَ مستقبلَها منْ ذلكَ المصحفِ الشريفِ الذي
يشعُّ نورا، ويتفجرُ علماً وهدايةً.
