غسيلةُ الجراحِ
بعدَ شهورٍ وأيامٍ وليالي تنتظرُ ساعةَ اللقاءِ بعدَ الفراقِ
تنتظرُ الزهرةَ، بلْ النجمةَ لتوحيَ لها ما يخبئُهُ الفؤادُ الجريحُ. النجمةُ وضمتْها إلى حيثُ مهبطِ الأسرارِ.
الكلماتُ أجلستْها على الأريكةِ حيتْها تحيةُ المشتاقِ.
ومضتْ دقائقُ منْ الابتسامةِ والفرحةِ، لكنْ فجأةً اهتزتْ عواطفُ وأحاسيسُ زهراءُ فجرتْ استفهاماتٍ في مملكتِها. أينَ عيونُ حوراءِ البراقةِ؟ أينَ ابتسامتُها الشفافةُ؟
فالنفسُ تصرُّ على زهراءَ وعقلِها متلهفٍ للجوابِ. إنَّها
تصفُ حروفاً، ثمَّ تصنعُ كلماتٍ، وبعدَها تنسجُ سؤالاً. مالِي أرى حوراءَنا غيرَ حوراءَ أمسِ فهلْ منْ علةٍ في ذلكَ؟
الحادثةُ. آهٍ إنَّها المأساةُ… الحادثةُ. الواقعةُ.
فقالتْ زهراءُ إنَّها رموزٌ لشيءٍ ما هوَ؟
سوفَ أحكي لكيْ يا حوراءَ هذهِ القصةِ كيْ تفهمي هذهِ لماتَ. فأخذتْ حوراءَ تسترجعُ شريطَ ذكرياتِها الأليمِ الذي تبكي لهُ الأعينُ، وتصرخُ لهُ الشكليَّ في ذكرى لمْ تمرَّ مثلُها ذكرى أبداً.
كنتُ في ليلةٍ منْ ليالي الدهرِ مدعوةً لحضورِ حفلِ زفافِ إحدى الصديقاتِ فكالعادةِ تزينتُ وتعطرتُ ثمَّ خرجتُ منْ المنزلِ قاصدةً الحفلَ، وبينما كنتُ أسيرُ سمعتُ همساتٍ في أذنِي تقولُ اذهبي أرجعي، فاستعذتُ منْ الشيطانِ الرجيمِ، ثمَّ واصلتُ مسيرِي نحوَ الحفلِ أشقُّ طرقاتِ القريةِ حتى اقتربتُ منْ مكانِ الحفلِ، ولكنْ قبلَ أنْ أصلَ سمعتُ صرخاً قوياً يخترقُ أذنِي في نفسِي لا. لا إنَّها همساتٌ شيطانيةٌ، لكنْ لما وصلتُ كانَ يخبئُ لي مفاجئةً تحولُ الحفلَ إلى مأتمٍ، فرأيتُ مشاهدَ لوْ رآها الوليدُ لشابٍّ، ولوْ رأتْها الحاملُ لسقطَ حملُها، ولوْ رأتْها الحورُ لبكتْ وناحتْ ففتاةٌ تهوي بنفسِها إلى السدِّ خوفاً منْ أنْ يرَها أحدٌ على هذهِ الحالةِ. وفتاةٌ تخرجُ منْ الخيمةِ، لكنَّها تتذكرُ أنَّها دونَ حجابٍ، فترجعُ لتعانقَ الموتَ.
وتأبى أنْ لا يرى، ولوْ شعرةً منْ رأسِها. فصمتتْ حوراءُ فلقدْ أفضتُ ما أفضتْ منْ الجروحِ.
حقاً أنَّهُ جرحٌ لا يلتحمُ وذكرى لا ينسُها الفؤادَ. لكنْ لمْ.
تحدثيني يا حوراءُ كيفَ أصابتْكِ هذهِ الجروحُ والحروقُ. إنَّ هذهِ الجروحَ والحروقَ والتشوهاتِ دخلتْ قلبِي وحاكتَهُ، وطهرتْهُ فأصبحَ نقياً منْ الرذائلِ والأشواكِ. لقدْ غسلتْني المشاهدُ الأليمةُ غسلةً عرفتْني بحقيقةِ نفسِي.
وكأَني رحلتُ إلى عالمٍ مليءٍ بالأنوارِ الساطعةِ. فتباً لي وللماضي الأليمِ الذي كانَ مليئاً بالشوائبِ والأوهامِ والأحلامِ وطولِ الأملِ والاغترارِ بسترِ اللهِ. في الماضي كنتُ أحفرُ قبرِي واليومَ أبني جنتِي منْ أعمالِي. أنهتْ حوارءُ قصتِها بدموعٍ منْ التوبةِ. بكاءٌ لمْ تبكِهِ طوالَ حياتِها. لما انتهى اللقاءُ، وودعَ الحبيبُ حبيبَهُ. تذكرتْ حوارءَ أنَّ هذهِ الليلةَ الجمعةَ ليلةَ موعدِ لقاءِ المعشوقِ الحقيقيِّ، فاغتسلتْ غسلَ التوبةِ، وارتدتْ ثوبَ الصلاةِ متوجهةً إلى ربِّها تناجيهِ في هذا الليلِ المظلمِ هاملتْ بكاءَ الفاقدينَ أنتا أنينُ المستصرخينَ تقولُ بصوتٍ حزينٍ ألهي بحقِّ المصابِ الحزينَ
وبحقِّ جراحِ المحترقينَ اقبلْني يا قابلُ المستغفرينَ.
