دماء على الرصيف

معَ حلولِ كلِّ مساءٍ يخرجُ العمُّ صابرٌ بعربتِهِ التي عاشتْ سنينَ في خدمتِهِ، وها هوَ يزحفُ إلى السوقِ برجليْهِ التي خطتْها الشقوقُ المتراميةُ الأطرافُ ومحياهُ الذي غمرَهُ ألمُ السنينَ وكالمعتادِ ينادي بصوتِهِ.
بليلةٍ.
 
بليلةٍ …
 
فتزدحمُ الناسَ منْ الأجناسِ كلِّهمْ، ولا يخرجُ العمُّ صابرٌ إلا، وفي عربتِهِ تلكَ السلطةُ التي تكونُ منْ صنعِ شريكةِ حياتِهِ. فلا يعودُ إلى المنزلِ إلا والبليلةُ قدْ قضيَ عليها اليومَ قلَّ الناسُ، فوجدَها العمُّ صابر فرصةً ليريحَ بدنَهُ المتعبَ فجلسَ على
قارعةُ الطريقِ، فاسترجعَ ما في ذاكرتِهِ مطالبَ أبناءِهِ. الابنُ الأصغرُ: أبِي لا تنسى أنْ تشتريَ لي أقلامٌ جديدةً
التي وعدتْني بها.
البنتُ الصغرى وأنا يا أبِي لا تنسى فستانِي المدرسيَّ.
ثمَّ توجهَ بجسدِهِ نحوَ شريكةِ حياتِهِ وخاطبَها.
ألا ترغبينَ في شيءٍ أجلبُهُ لكَ؟
أنا لا أريدُ سوى سلامتِكَ ورجوعِكَ إلينا سالماً
قطعَ شريطُ ذاكرتِهِ رجلٌ طويلُ القامةِ ذو شماغٍ أحمرَ قدْ بدَ عليهِ الكبرياءُ والغطرسةُ، فخاطبَ العمُّ صابر.؟ أينَ (الترخيصُ) وبسرعةٍ؟
فأجابَهُ العمُّ صابر، وهوَ ينظمُ عربتَهُ.
وأيُّ) ترخيصٍ (لعربةٍ أكلَ عليهِ الدهرُ وشربَ ومنْ؟
أنتَ تسألُ هذا السؤالَ؟
أنا موظفُ البلديةِ.
وذا لمْ أكنْ أملكُ ترخيصاً.
لا تبعْ شيئاً.
 
والمالُ منْ أينَ أتى بهِ؟ أمدُّ يدِي للناسِ أم. أسيرُ في الطرقاتِ، وأقولُ مسكينٌ على بابِ اللهِ.
أنا لستُ مسؤولاً عنْ ذلكَ، ولا يهمُّني مددتُ يدَكَ للناسِ أمْ أصبحتُ تجولُ في الطرقاتِ. أنا مجردُ عبدٍ مأمورٍ فقطْ تجمهرتُ الناسَ، وما زلتُ المعركةَ حاميةَ الوطيسِ.
 
إذا تضطرُّني أنْ أمنعَكَ بالقوةِ.
استدعيَ منْ شئتَ، فهذا رزقِي ورزقُ أبنائِي. فأجرُ الموظفِ إلا هاتفياً وما هيَ إلا دقائقُ، وقدْ لتْ الشرطةُ العمُّ صابر وقفَ بقوتِهِ، وصلابتِهِ وغرسِ رجليْهِ في الأرضِ، وأمسكَ العربةَ بيديْهِ، وضمَّها إلى صدرِهِ وكأنَّها ابنتُهُ وأخذَ يصرخُ
لنْ تأخذوها مني أبداً…. لنْ تأخذوها
الناسُ شلتْ حركتَهمْ، ووقفوا يتأملونَ المعركةَ.
جرتْ القوةُ العمُّ صابر، فأدى ذلكَ إلى سقوطِ العمِّ صابر وسقوطِ العربةِ معهُ، فسقطتْ الأشياءُ التي كانتْ على ظهرِ العربةِ على الأرضِ محدثاً أصواتٌ حزيناً البليلةَ على الأرضِ. أما العربةُ فقدْ تهشمتْ إلى متناثرةٍ منْ كلِّ جانبٍ. سالتْ دموعُ العمِّ صابر حتى نتْ منْ كانَ حاضراً، فراحَ قسمٌ منْ الناسِ يتألمُ لوضعِهِ
 قطُّ
 بقيَ واقفاً وكأنَّهُ صنمٌ حجريٌّ لا يعي شيءٌ يصنعُ قصيدةً أوْ روايةً. وكأنَّ دموعاً
 قلماً لعلَّهُ
العمُّ صابر تقولُ:
 منْ أينَ أطعمُ أولادِي؟… منْ أينَ أكسوهمْ… ولقدْ؟
تحطمتْ عرٌّ… بتُّ… ي وكس…ر ظهرِي حسبِي الوكيلَ… حسبِي اللهُ ونعمَ الوكيلُ.
فجأةً اخترقَ الناسُ شاباً صغيرٌ، فرأى العربةَ فأحزنَهُ ذلكَ
المشهدُ، وأخذَ يذرفُ تلكَ الدموعَ، فصرخَ منْ أعماقِ قلبِهِ. أبي… أقسمُ بمقسمِ الأرزاقِ سوفَ أحذو حذوَ أبِي، ولنْ أباليَ وبعدَ مضيِّ سنةٍ، وفي المكانِ نفسِهِ عربةٌ جديدةٌ خطَّ عليها.
(بليلةِ العمِّ صابر) وشابٍّ يجولُ بها وينادي
(بليلةٍ… بليلةٍ) العمِّ صابر.